أحمد بن علي الرازي

246

شرح بدء الأمالي

لأن المؤمنين ركب فيهم الهواء والعقل ، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهواء « 1 » ؛ ولهذا يثاب المؤمنون على أعمالهم ، وليس للملائكة ثواب ولا لهم نصيب من النعم والقصور ، ولا لهم تزويج مع الحور يطيرون في بساتين الجنان وميادينها ، يمشون في طيب النعيم وريحانها ولا يأكلون طعام الزنجبيل ولا يشربون شراب الكوثر والسلسبيل ، ولا يلبسون حلل الألوان ، ولا يرون رؤية الرحمن ؛ لأنه ليس لهم شهوة ولا لهم في الأكل والشراب « 2 » حاجة . ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض ، والرسل أفضل من الأنبياء ، وكذلك الرسل بعضهم أولى من بعض كقوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم أفضل من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهو أفضل الخلائق وخير البشر صلّى اللّه عليه وسلم وعلى آله إلى يوم المحشر ، كما قال الله تعالى : يس « 3 » .

--> ( 1 ) قلت : وليس في ذلك حجة تفضل بني آدم على الملائكة ، بل هي عليهم ، لأنه معلوم بيننا أن الّذي يغلب عقله على هواه من بنى البشر فضل وامتدح بينهم حتى أنهم يرفعونه مدحا بقولهم صار كالملائكة . وقد امتدحهم الله في غير موضع من الكتاب فقال : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . وهم يستغفرون لمن في الأرض قال تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ . وقرن سبحانه وتعالى إتيانه بإتيان الملائكة ، وما أكل آدم عليه السلام من الشجرة إلا ليكون ملكا أو يخلد في الأرض ، قال تعالى : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ . ( 2 ) قال ابن حزم : وأما تفضل الله تعالى على أهل الجنة بالأكل والشرب والجماع واللباس والآلات والقصور فبما يوافق طباعهم وقد نزه الله سبحانه وتعالى الملائكة عن هذه الطبائع المستدعية لهذه اللذات بل أبانهم وفضلهم ، بل جعل طبائعهم لا تلتذ بشيء من ذلك إلا بذكر الله عز وجل وعبادته وطاعته في تنفيذ أوامره تعالى فلا منزلة أعلى من هذه ، وعجل لهم سكنى المحل الرفيع الّذي جعل تعالى غاية إكرامنا الوصول إليه ا . ه . الفصل : ( 5 / 17 ) . ( 3 ) قلت : اختلف الناس في الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أقوال أفضلها ما أطبق عليه أهل السنة وهو ما حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين . وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان ، قالوا : هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله تفسير ابن كثير : ( 1 / 35 ، 36 ) .